الجاحظ
18
رسائل الجاحظ
الفتيا . . . والنظرية التالية هي نظرية معمر بن عباد السلمي ( معاصر للنظام ) الذي توسع في تفريع المعرفة فجعلها عشرة أنواع وذكر فيها نوعا هاما جديدا هو معرفة الذات المباشرة دون الاستعانة بالحواس والعقل ، وهذه المعرفة أفاد منها ابن سينا كثيرا فيما بعد . وبعد هذا العرض لنظريات المعتزلة الذين سبقوا الجاحظ أو عاصروه ، يعلن الجاحظ موقفه ، فيرى ان آراءهم فاسدة ، ويتوقف عند قولهم ان معرفة اللّه مكتسبة ليثبت انها كسائر ضروب المعرفة اضطرار . ويعني بالاضطرار عدم تدخل الإرادة في معرفة الأشياء ، ويستدل على ذلك بتعرف الطفل على الأشياء المحيطة به بفضل التجارب المتتالية التي يمر بها منذ ولادته وحتى يبلغ ويميز . إن هذه التجارب برأيه غير قصدية ، أي أنها تختلف عن تجارب البالغ التي يرافقها التصميم والقصد اي الإرادة و « ان البالغ مذ سقط من بطن أمه ، إلى أن يبلغ ، مقلب في الأمور المختلفة ، ومصرف من خلال الحالات المعروفة التي تلقمه الدنيا بما تقرر عليه من عجائبها . ويزداد في كل ساعة معرفة ، وتفيده الأيام في كل يوم تجربة ، كما يزداد لسانه قوة وعظمه صلابة ، ولحمه شدة ، من أم تناغيه ، وظئر تلهيه ، وطفل يلاعبه ، وطبيب يعالجه ، ونفس تدعوه ، وطبيعة تعينه أو شهوة تبعثه ، ووجع يقلقه ، كما يزيد الزمان من قوته ويشد من عظمه ولحمه ، ويزيده الغذاء عظما ، وكثرة الغضب والتقليب جلدا ، فإذا درج وحبا وضحك وبكى وأمكنه ان يكسر اناء أو يكبه أو يسود ثوبا ، أو يضرب صبيا ، فضرب دبره الخادم وانتهره القيم فلا يزال ذلك دأبه ودأبهم حتى يفهم الاغراء والزجر والتعدية والانتهار ، كما يعرف الكلب اسمه إذا ألح عليه الكلاب به ، وكما يعرف المجنون لقبه ، وكما يحضر الفرس من وقع السوط لكثرة وقعه بعد رفعه عليه » . هذا الوصف الجميل ، لعملية تعلم الانسان بالتجارب اللاإرادية ، يوضح لنا ما ذا يعني الجاحظ بقوله ان المعرفة اضطرار أو طباع . ان المعرفة تتم بالطبع أو الغريزة لأن الجاحظ يعتبر عقل الانسان غريزة كسائر الغرائز ، تعمل دون ان تخضع